الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بما وقع فيه أهل الكتاب من نبذ ما أمروا به والتهاون فيه . واستدعاؤهم للإيمان بالرسول الموعود به . وختمت بالتذكير بيوم القيامة ، وشهادة الرسل على أممهم ، وشهادة عيسى على النصارى ، وتمجيد اللّه تعالى . [ 1 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سترد بعده أحكام وعقود كانت عقدت من اللّه على المؤمنين إجمالا وتفصيلا ، ذكّرهم بها لأنّ عليهم الإيفاء بما عاقدوا اللّه عليه . وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة : هذا ظهير كريم يتقبل بالطاعة والامتثال . وذلك براعة استهلال . فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق ، فشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لشريعته ، وذلك كقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ [ المائدة : 7 ] ، ومثل ما كان يبايع عليه الرسول المؤمنين أن لا يشركوا باللّه شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، ويقول لهم : فمن وفى منكم فأجره على اللّه . وشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين ، مثل قوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ التوبة : 2 ] ، وقوله : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [ المائدة : 2 ] . ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم . والإيفاء هو إعطاء الشيء وافيا ، أي غير منقوص ، ولمّا كان تحقّق ترك النقص لا يحصل في العرف إلّا بالزيادة على القدر الواجب ، صار الإيفاء مرادا منه عرفا العدل ، وتقدّم عند قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ في سورة النساء [ 173 ] . والعقود جمع عقد - بفتح العين - ، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل ما . وحقيقته أنّ العقد هو ربط الحبل بالعروة ونحوها ، وشدّ الحبل في نفسه أيضا عقد . ثم استعمل مجازا في الالتزام ، فغلب استعماله حتّى صار حقيقة عرفية ، قال الحطيئة :